الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة في لقاء الكمان لزياد الزواري وأمبي سوبرامانيام... "حين يعبر اللحن الوتري العالم بلا جواز، فتنتفي الجغرافيا وينصهر الزمان والمكان"...

نشر في  03 أفريل 2026  (12:53)

"أحيانا تأتي لحظات تنتفي فيها الأزمنة، تتلاشى فيها الحدود بين الدقائق والثواني، وتتوقف عقارب الساعات… لنجد أنفسنا أمام ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلنا عن الوجود، فنلتقي عبره رغم المسافات، كأننا نحيا حلما جميلا."

على وقع هذا الإحساس العابر للزمن، عاش الحاضرون بمسرح الجهات مساء الاثنين الماضي تجربة موسيقية استثنائية سافرت بهم إلى عوالم متداخلة، حيث تحوّلت أوتار الكمان إلى لغة كونية هزّت الوجدان وأيقظت في الروح ذاكرة خفية كأنها تعيد تشكيل الزمن من منبع الحلم وديدنه.

لم يكن "لقاء الكمان" مجرد عرض موسيقي، بل تجلّى كفضاء مفتوح لعبور الثقافات وتلاقي المرجعيات الفنية إذ لم يكتف عازف الكمان التونسي زياد الزواري باستحضار الموروث الموسيقي التونسي، بل تجاوزه ليُناجي عبر أوتار كمانه ذاكرات موسيقية متعددة تماهت مع فلسفة "الراغا" الهندية المعقّدة.

 في هذا الامتداد، لم تعد النغمة حبيسة انتماء بل تحوّلت إلى كيان حرّ يتشكل في لحظة العزف، حيث تعانقت الأنفاس المتوسطية مع العمق الهندي في حوار موسيقي حيّ توارت فيه الحدود وانفلتت الجغرافيا لصالح الإحساس فتعانقت أوتار كمان التونسي زياد الزواري المتحصل على دكتوراه في الموسيقى من جامعة السوربون، مع كمان العازف الهندي أمبي سوبرا مانيام، ابن ل. سوبرا مانيام أحد أبرز أيقونات الموسيقى الكارناتيكية الكلاسيكية.

انطلق الحفل قبل الثامنة مساء بدقائق ضمن عرض نظمه مسرح أوبرا تونس تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية وبالتعاون مع السفارة الهندية، في تجسيد فعلي لدور الدبلوماسية الثقافية في بناء جسور الحوار بين الشعوب. وقد بدا واضحا منذ اللحظات الأولى أن الرهان لم يكن على الإبهار فقط بل على خلق تجربة فنية تحمل بعدا حضاريا.

"لقاء الكمان هو نتاج عمل مشترك جمعنا في الهند وتحديدا بمدينة راجستان، حيث انطلقت تجربتنا الأولى في فيفري الفارط وغصنا من خلالها في رحلة تلاشت فيها حدود الجغرافيا وانصهرت الموسيقى التونسية بالهندية بحثا عن نقاط الالتقاء التي تجمعنا"...-زياد الزواري-

Peut être une image de violon, clarinette et texte

استُهلّت الرحلة بمعزوفة "نفس"، حيث انساب اللحن بهدوء من كمان الزواري قبل أن يتسلّمه الكمان الثاني في تدرّج موسيقي أقرب إلى ترنيمة هادئة موقظة للحواس. وفي لحظة إنسانية مؤثرة توقف زياد الزواري عن العزف ليؤكد أنّ هذه المعزوفة تأتي كلمسة وفاء إلى روح فقيدي الموسيقى التونسية عازفي الكمان أمين بوديدح وأحمد داوود من فرقة إذاعة صفاقس.

ومع التحاق بقية عناصر فرقة "لقاء الكمان" على الركح وهم التونسي حمدي الجموسي وأكشاي أنانتابادمانابها من الهند على الإيقاع، والتونسي هادي فهمي على آلة الغيتار اتّسع الفضاء الصوتي ليتحول الأداء إلى بناء جماعي متكامل، حيث لم تكن الفرقة مجرد مرافقة بل عنصرا فاعلا ساهم في تشكّل الفسيفساء الموسيقية بصورة فنية لافتة.

Peut être une image de violon et guitare

أما الحوار بين الكمانين، فلم يكن مجرّد تناوب تقني موسيقي بقدر ما كان إصغاء متبادلا في مباراة حسيّة رفع فيها صاحبا الكمانان لواء الفن المنتصر للحب والحياة...

حين أمسك الكمان وأعزف، أشعر بكل نوتة، وأحادث كل مقطوعة… كأنني أسافر إلى عالم آخر...

هكذا وصف الزواري علاقته بآلته الموسيقية في احدى حواراته الصحفية، وهو ما تجسّد بوضوح على الركح إذ تحوّل العزف على أوتار الكمان إلى فعل حسّي تُخاطب فيه "المعشوقة" كما يصف ذلك زياد الزواري...

توالت في "لقاء الكمان" المعزوفات، من بينها "ميراج" (سراب) من تأليف أمبي سوبرا مانيام، حيث تدرّجت الإيقاعات من الهدوء إلى التصاعد في مشهدية استثنائية بدا فيها الركح كفضاء حواري مفتوح بين العازفين. كما تضمّن العرض وصلة تكريمية للفالز العربي، أعادت تقديم ألحان خالدة مثل "وصفولي الصبر" و"شفتك مرة متعدية"، في مزجٍ ذكي بين الذاكرة الطربية وإعادة التوزيع المعاصر.

وشهد الحفل أيضا تقديم أعمال جديدة مثل "Hindi Thala"، والذي اتى كإعلان عن ميلاد تجربة موسيقية تتجاوز الحدود إلى جانب "Air from india" و"Desi Dance"، وكلها أعمال حملت روح البحث عن لغة موسيقية كونية متجانسة.

Aucune description de photo disponible.

وفي مفاجأة للجمهور، اعتلى الفنان التونسي منير الطرودي الركح ليضفي بصوته القوي حضورا خاصا، حيث نسج بنمنماته الصوتية عوالم تعبيرية ترجمت الإحساس دون حاجة إلى كلمات مؤكّدا أن الصوت الإنساني يظل أقدم الآلات وأكثرها صدقا.

ستّ معزوفات كانت كفيلة بأن تهزّ أرجاء المسرح لا بعلوّها بل بعمقها في تجربة فنية تجاوزت حدود الانتشاء لتلامس جوهر الفكرة أن الموسيقى لا تنتمي إلى مكان أو زمان  بل هي ضرب من كلام  يسري فينا إلى حد اللانهاية دون أن ننطق به.

منــارة تليـجاني